عبد الملك الجويني
172
الشامل في أصول الدين
سبحانه وتعالى . ويقولون : أتزعمون أن صفات الباري متعددة ، أم تأبون ذلك ؟ وسبيل الجواب عن السؤالين أن نقول : إن رام السائل بالعدّ أن يذكر اللّه مع غيره ، فهذا لا منع فيه . وإن رام به تجنيسا وتمثيلا ومصيرا إلى أن يجالس المعدودات ، فهو مستحيل لما قدمناه من نفي التشبيه . فهذا سبيل الجواب عن المعنى ، وإن وقع السؤال عن جواز إطلاق اللفظ ، فقد صار معظم الأصحاب إلى منع إطلاقه من حيث لم يرد في ذلك إذن صريح ، وإطلاق الألفاظ في الذات والصفات موقوف على إطلاق الشريعة . ورد القاضي جوابه في « الهداية » فقال مرة : كما لم يرد في ذلك إطلاق ، لم يرد فيه أيضا منع . ومن أصل القاضي أن المنع يتوقف على الشرع ، كما يتوقف التجويز عليه ، وكل ما لم يرد فيه منع في واحد منهما ، لم يحكم فيه بحظر ولا إباحة ، وسنبسط القول في ذلك في الصفات إن شاء اللّه . وأما الذين ذكروه في الصفات ، فقد روى عن بد اللّه بن سعيد أنه قال : اللّه تعالى واحد بصفاته . وامتنع عن إطلاق القول بأن الصفات معدودة . قال الأستاذ أبو إسحاق : لم يرد عبد اللّه اتحاد وجود الذات والصفات ، فإن ذلك لا يستقيم إلا على أصلين : أحدهما : نفي الصفات ، كما صار إليه المعتزلة . والثاني : إثبات الصفات والذات مع المصير إلى اتحادها بالوجود . وهذا نص مذهب النصارى في الأب والابن والروح ، وإنما أراد أحد معنيين : بأن اللّه تعالى واحد في الإلهية ، ولا تتعدد الإلهية بثبوت الصفات ، فالإله واحد وهو موصوف بصفات الإلهية ، فهو أحد وجهي كلامه . ويجوز حمل كلامه على الامتناع من لفظ العدد . والذي يوضح ذلك : أنه نص في كتبه في غير موضع على أن الصفات ليست موجودات ، فلا يظن به اتحاد وجود الذات والصفات . قال القاضي : أما وإن امتنعت من إطلاق القول بأن اللّه تعالى معدود مع غيره ، فلا امتنع من اطلاق القول بأن صفاته معدودة ، وهي نهايته ، إن لم تثبت اليدين والعينين والوجه صفات ؛ فلا امتناع من عدّها . هذا ما ارتضاه ، وهو الأصح ، فاعلموه . وفي الامتناع عنه من الإبهام ما ليس في النطق به ، فافهموه . فصل [ التوحيد ] فإن قال قائل : قد ذكرتم حقيقة الواحد ومعناه ، فما التوحيد ؟ وما المعنى به ؟ قلنا : التوحيد لفظة مشتركة . فقد يراد بها فصل شيء من شيء ، وافراده عنه بعد